|
زرت قرية (سيدي بوسعيد) في تونس مرات عديدة، واستمتعت بإطلالتها الساحرة على حلم المتوسط الذي حملت أمواجه، إبداعات الشعوب، وحفظت أعماقه، أغنيات البحارة المغامرين، وهم يرددون أهازيج أحلامهم، ويراقصون رفيف أشرعة السفن بموسيقى شعوبهم التي تلاقت حضاراتها في زرقة المتوسط، وعبرت تخوم أعاليه باحثة عن مرافىء تستريح فيها، فلم تجد أجمل من (النجمة الزهراء) دار البارون ديرلانجي لتخبئ إيقاعاتها وتحفظ إبداعاتها ...
ولقد كانت زيارتي الأخيرة إلى تونس في منتصف شهر (ديسمبر/ كانون الأول 2009) للمشاركة في احتفالية القيروان، مع وفد ثقافي سوري رفيع المستوى، فقد قدمنا في تونس مسرحية «صقر قريش» التي أمتعت فيها فرقة «إنانا السورية» عشاق الفن في تونس. كما قدمنا أمسية غنائية تراثية عذبة، أحيتها فرقة شيوخ سلاطين الطرب القادمة من حلب. وقد أحسن أصدقاؤنا في وزارة الثقافة التونسية وعلى رأسهم الصديق المثقف الكبير الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة حين اختاروا قصر البارون لإقامة حفل الموسيقى الحلبية الأصيلة، علماً أن هذا القصر اليوم مركز للموسيقى العربية والمتوسطية، وكنت قد زرته قبل سنوات، لكن هذه الزيارة أتاحت لي فرصة أوسع للتأمل، ولمزيد من المعرفة التي قدمها لي مدير المركز الأستاذ الفاضل منير الهنتاني الذي أضاف من رهافة حسه الموسيقي، شفافية في الشرح والإيضاح، تزركش تاريخ البارون الألماني الفرنسي رودولف ديرلانجي الذي اختار واحدة من أجمل روابي الشرق هي (رابية المنار) المطلة على البحر ليجعلها ميناء إبداعه، ومسرح أشواقه الصوفية إلى أصالة الثقافة العربية الإسلامية التي عشقها، ووجد في موسيقاها صفاءها ونقاءها البهي. ولقد سرني أن أجد على جدران متحف الموسيقى وأبهائه المترفة، صوراً للموسيقي الحلبي علي الدرويش الذي كان أستاذاً يدرس آلة الناي في معهد فؤاد الأول للموسيقى في القاهرة أواخر العشرينيات من القرن الماضي. وقد دعاه البارون ديرلانجي إلى قصره في «سيدي بوسعيد»، ليسهم معه في مشروعه الضخم لتوثيق الموسيقى العربية. وقد بقي الدرويش نحو سبع سنوات في صحبة البارون حتى تحقق المشروع الذي أسهم فيه كبار الموسيقيين من تونس، وجاء موسوعة ضخمة بعنوان: (الموسيقى العربية، أساليبها وتاريخها). وقد صدرت في ستة أجزاء عن دار النشر الباريسية بول غوتنر. ولقد طفت مع الأخ منير في أنحاء القصر الذي تتوسط ساحته نسخة من الموسوعة، وفي أفنائه متحف للآلات الموسيقية الشرقية والأفريقية، يقع داخل متحف لفن العمارة الإسلامية هو القصر كله. وقد حرص صاحبه على ألاّ يباهي به في مظهره الخارجي، ليتسق مع أشكال أبنية المدينة الصغيرة، من دون تبرج خارجي، لكنه ترك المفاجأة لزواره حين يدخلون، ليجدوا بهاء العمارة الإسلامية في نقوشها ومقرنصاتها، وزركشات نجومها الزاهرة، وسط جنة من الحدائق البديعة، تقودك إلى أعماق جمالها الأخاذ أشجار السرو المصطفة على جانبي حديقة أندلسية، وأخرى فارسية، تبدو فيهما رهافة حس الفنان الكبير ديرلانجي الذي كان رساماً ينتمي إلى المدرسة الكلاسية التعبيرية. ولعلّ أجمل لوحاته تلك التي رسم فيها نفسه شامخاً، فعبّرت ملامحه عن عراقة ثقافته، ونبل قيمه. وفي القصر خزانة وطنية للتسجيلات الصوتية، تحفظ تراث تونس الموسيقي.وثمة قسم للدراسات والبحوث يعمل على إثراء الوثائق الموسيقية. ولكون البارون مستشرقاً مهتماً بالثقافة الإسلامية عامة، وبالموسيقى العربية بشكل خاص، فقد حرص على أن يكون زوار قصره كبار الفنانين والموسيقيين التوانسة الذين تزينت جدران القصر بصورهم. وكان البارون قد بنى قصره بين عامي 1912 و1922 ثم آلت ملكية المبنى إلى الجمهورية التونسية عام 1991 وكان قراراً حكيماً أن يتحول إلى مركز موسيقي ثقافي دولي، لكونه تحفة معمارية، لعلّها نبهت أهل تونس أنفسهم إلى عظمة ما يملكونه من بهاء عمراني إسلامي مغاربي أندلسي، فضلاً عن ثرائهم الإبداعي في الموسيقى والتشكيل.
|