|
د. رياض نعسان آغا :
زرت بافاريا عدة مرات ، واستمتعت بسحر بحيراتها القريبة من ميونخ ، لكن صديقي الدكتور صلاح مكتبي جاء إلى شتوتغارت ليرحب بي ويدعوني لزيارته في بامبرغ ، قال إن المسافة قريبة ، قلت إذن بوسعي أن أذهب في الصباح وأعود في المساء ،
وحسبي متعة تأمل الطريق الساحر ، لكن صلاح سرعان ما صرف السائق ، وقال لن تستطيع رؤية بامبرغ خلال ساعات ، لابد من أن تبيت وتقضي يوماً أريك فيه على عجل واحدة من أجمل المدن القديمة في أوربا . لكن متعتي الأكبر كانت في الجلسات الأخوية التي استمتعت بها مع بعض المغتربين العرب ، وبينهم الطبيب الجراح العراقي ( محسن بلال ) وطبيب العيون المصري الدكتور طارق جلال ، والجراح السوري هيثم الفاضل وآخرين كثر تركوا في النفس ذكريات طيبة ، وهم يعيشون في بامبرغ منذ سنين طويلة .
تفتنك الطبيعة بين شتوتغارت وبامبرغ ، وهي زاهية بالخضرة اليانعة البراقة ، وتسرح بك الغابات وراء حكايات أساطير الهوى حيث متعة اللقيا بين عاشقين تحت سرحة وارفة ، وحين تصل إلى بامبرغ تصير أحلامك رؤى شاعرية ترنم سيمفونية الجمال الآسر ، وأنت تسري مع الماء المتدفق من ينابيع الجبال السبعة المخضلة الراسية حول المدينة تتذكر تلال روما ، وأنت ترى منطقة فرانكن تتفرع فيها الأنهر كما تتفرع في جسد كاعب مغناج شرايين صاخبة مشبوبة بالحيوية والصبوة ، ثم تذكرك المدينة في سكونها الشاعري المخيم على بيوتها القديمة الزاهية الألوان ، الراقدة على صدر الماء بمدينة البندقية وجندولها الذي يرنم في داخلك أجمل ما حفظت من غناء ، وموكب الغيد وعيد الكرنفال يأخذانك إلى غيبوبة حلم ضاع وها أنت تسترده مع ثلة من الصحب يصبون إلى نغم عربي يرتلونه كما الأناشيد المقدسة لأنه يبث مزيداً من الحنان في صدور حشرج فيها أنين الغربية ، لكن شاعرية الجمال تسكب عليها فيض الطمأنينة ، ثم تعلم أن بامبرغ من أجمل مدن أوربا كلها في حفاظها على روح المدنية الأوربية القديمة ، وهذا ما جعلها إرثاً ثقافياً يسجل في لائحة التراث العالمي ، و أعترف أنني لن أكن أعرف شيئاً عن بامبرغ قبل زيارتي الأخيرة إلى شتوتغارت لافتتاح معرض كنوز من سوريا في متحفها العريق ، رغم أنني زرت بافاريا عدة مرات ، واستمتعت بسحر بحيراتها القريبة من ميونخ ، لكن صديقي الدكتور صلاح مكتبي جاء إلى شتوتغارت ليرحب بي ويدعوني لزيارته في بامبرغ ، قال إن المسافة قريبة ، قلت إذن بوسعي أن أذهب في الصباح وأعود في المساء ، وحسبي متعة تأمل الطريق الساحر ، لكن صلاح سرعان ما صرف السائق ، وقال لن تستطيع رؤية بامبرغ خلال ساعات ، لابد من أن تبيت وتقضي يوماً أريك فيه على عجل واحدة من أجمل المدن القديمة في أوربا ، ولكي يزيدني تشويقاً قال هذه فرصة كذلك كي آخذك إلى عيادتي على مهل فأجري لك فحوصات طبية بأحدث الأجهزة الألمانية ، لكن التشويق الذي أثارني هو الجولة السياحية النادرة التي بدأنا بها زيارتنا ، قادنا صلاح إلى قمة الجبل حيث الإطلالة الساحرة النادرة على أجمل فضاء أخضر ، يعزف موسيقى الغابات التي تصدح بها الأشجار ، ولعلها هي التي منحت باخ وبيتهوفن و عباقرة الموسيقيين الألمان ألحانهم الخالدة التي أبهجت الدنيا ، و كنت أعلم أن هيغل الذي ولد في شتوتغارت قد اختار بامبرغ في فترة من أخصب أيامه وعمل فيها صحفياً ، وأصدر فيها كتابه الشهير ( فنومينولوجيا الروح ) وقد استأذن صديقي صلاح شرطية البلدية كي تسمح لنا بدخول الدوم ( الكنيسة ) في وقت إغلاقها كي أتأمل فخامة البناء ، ثم عطفنا على مبنى البلدية وطفنا حول المباني التاريخية البهية التي تحتفظ بعظمة عصر القياصرة والمطارنة منذ أكثر من ألف عام ، وحيث التناغم الذكي في المدينة بين الأصالة والمعاصرة ، ولعل من حسن حظ بامبرغ أنها لم تتأثر بالحروب ولم تتعرض للدمار الذي لحق جل المدن الألمانية في الحرب العالمية الثانية ، ويقال إن مؤسس المدينة وباني نهضتها هو هينرش الثاني وقد عاش مطلع القرن الحادي عشر الميلادي ، ولكن زخارفها البديعة تعود إلى عصر الباروك ، ولم يتسع الوقت القصير للتوغل في تفاصيل جسد المدينة التي تجمع وقار الشيخوخة مع ريعان الصبا الموار ، وحيث تتلاحم عبقرية زخارف الماضي مع براعة صروح الحاضر، و قد عرفت أن في المدنية وما حولها أكثر من ألفي موقع أثري وتاريخي ، ولكنني اكتفيت بالتمتع بالبندقية الصغرى ، وبحي الصيادين ، وبمنظر قبة القيصر ، لكن متعتي الأكبر كانت في الجلسات الأخوية التي استمتعت بها مع بعض المغتربين العرب ، وبينهم الطبيب الجراح العراقي ( محسن بلال ) وطبيب العيون المصري الدكتور طارق جلال ، والجراح السوري هيثم الفاضل وآخرين كثر تركوا في النفس ذكريات طيبة ، وهم يعيشون في بامبرغ منذ سنين طويلة ، وبوسع المرء أن يفهم سر مكوثهم طويلاً ما داموا ينعمون باحترام وتقدير المجتمع الألماني لما حققوا من مكانة علمية وعملية ، فضلاً عن متعتهم بسحر الطبيعة وجمالها الأخاذ .
|