د. رياض نعسان آغا- الاتحاد - وجهة نظر
أتوقع أن يواجه العالم قريباً لحظة الخيارات الصعبة، فإسرائيل تريد أن تجر العالم إلى حرب مدمرة هدفها القضاء على القوة الإيرانية التي تشكل تحدياً مستقبلياً لها، وتريد كذلك توجيه ضربة قاضية نهائية للمقاومة العربية،
أتوقع أن يواجه العالم قريباً لحظة الخيارات الصعبة، فإسرائيل تريد أن تجر العالم إلى حرب مدمرة هدفها القضاء على القوة الإيرانية التي تشكل تحدياً مستقبلياً لها، وتريد كذلك توجيه ضربة قاضية نهائية للمقاومة العربية، وتريد قبل ذلك أن تستكمل التطبيع مع الدول العربية، ربما عبر تقديم حل نهائي للصراع يدفع الفلسطينيون ثمنه (من حقوقهم) وقد أوضح خطاب نتانياهو ملامح هذا الحل، وقدم رؤيته لشكل الدولة الفلسطينية التي يمكن أن يوافق على قيامها، وقد رسمها بما يخدم مصالح إسرائيل. وأما ما كان يسمى مفاوضات الحل النهائي فقد أجهز نتانياهو على موضوعاته ومضامينه، حين أعلن أن القدس عاصمة يهودية أبدية لإسرائيل دون أن يرى فيها أي حق للعرب والمسيحيين والمسلمين، وحين رفض حق العودة ولم يبقِ للتفاوض أو للمراوغة فيه غير مسألة المستوطنات التي أخشى أن تتحول حلولها المقترحة إلى فخ تقع فيه القضية الفلسطينية وتدفن فيه. والخطر أن يكون شيء من التنازل عن موقع صغير في المستوطنات أو عن بعض مواقع غير مهمة لإسرائيل إنجازاً يستحق أن تأخذ ثمنه من العرب والفلسطينيين تطبيعاً كاملا وانفتاحاً واسعاً وتهويلا إعلامياً يفبركه الصهاينة في العالم كي يلمعوا صورة نتانياهو ويقدموه على أنه رجل السلام المنتظر! وحسبنا أن نتذكر أن مجرد كلمة غائمة ذكر فيها نتانياهو الدولة الفلسطينية أكسبته مديحاً من سياسيين كبار في العالم أثنوا عليه ونسوا أن الدولة التي وصفها هلامية، وأنه يتحدث عن رؤية للسلام وغزة ما تزال تحت الحصار على رغم كل المناشدات الدولية لفكه، وقد جاءه المديح في وقت كان فيه شرفاء العالم يطالبون بمحاكمته مع كل قادة إسرائيل بوصفهم مجرمي حرب، فكيف إذا ما تنازل نتانياهو عن إحدى المستوطنات المنتشرة في الضفة كالسرطان، أحسب عندها أن الإعلام الصهيوني، وقد يلحقه أو يسبقه بعض الإعلام العربي، سيطبل ويزمر للخطوة التاريخية وقد يعلو صوت الضجيج على صوت المنادين: أين القدس؟ وأين حق العودة؟ بل أين الأرض الفلسطينية التي ستقوم عليها الدولة؟ ومن الطبيعي أن يكون الثمن المطلوب إسرائيلياً هو القضاء النهائي التام على بذرة المقاومة وليس على حضورها فقط، وبذرتها موجودة في الثقافة العربية وفي الإعلام الوطني وفي المناهج التربوية وما إلى ذلك، وأخطر الأثمان أن يكون في السيناريو تشكيل تحالفات أو تفاهمات في الحد الأدنى بين عرب وإسرائيليين ضد من لن يقبل بهذا الحل المهيض. وقد يقال إن هذه مجرد فرضيات، ولا يجوز أن نبني موقفاً على فرضية، ولكن المخططات ترسم اليوم علناً، وما يتم الآن في الساحات السياسية الدولية يوحي بها. وأما هدف إسرائيل المعلن في القضاء على القوة الإيرانية فقد يورط العالم في حرب كبيرة لن تنحصر في نطاق إقليمي، وقد حاولت قوى عديدة أن تفكك إيران من الداخل عبر الانتخابات التي وقعت فيها أحداث مؤلمة لكن إيران بدت أقوى مما توقعوا، وفي حال حدوث أي تهديد خارجي فإن الإيرانيين سيقفون بالتأكيد موقفاً وطنياً ينهي كل الخلافات. وعلى رغم أن العالم كله لا يريد مزيداً من الحروب إلا أن الدهاء الإسرائيلي قد لا يعدم اختراع مبررات يجد فيها أصدقاء إسرائيل أنفسهم متورطين في بحر الدم كما تورطوا في أفغانستان والعراق. ولئن كان العالم يتطلع إلى موقف أوباما، فإنه يقدر أن الرئيس الأميركي لا يملك القرار كله، فهناك مؤسسات أميركية حاكمة قد تدفعه إلى اتخاذ مواقف يجسد فيها التزامه بأمن ومستقبل إسرائيل فيزج الولايات المتحدة في حرب جديدة كما زجها بوش في حروب بالنيابة عن إسرائيل. وعلى رغم تفاؤلنا بتوجهات الرئيس الأميركي وترحيبنا بها، إلا أننا سمعناه في القاهرة وسواها يجدد التزام بلاده بإسرائيل وهذا الالتزام استراتيجي لا فكاك منه على المدى المنظور، وسيكون مطلوباً من العرب أن يتخذوا موقفاً تاريخياً حاسماً يحددون فيه من هو عدوهم، ومع من سيكونون؟ ولحظة الخيار ليست عابرة بل هي لحظة ترسم مستقبل العرب مع جارتهم التاريخية إيران ومع عدوتهم التاريخية إسرائيل، وقد يتخذ العرب مواقف مختلفة اختلاف مصالح دولهم، وقد يجد بعضهم أن عدوهم هو إيران وليس الصهيونية، وهذا ما ستكون له منعكسات سلبية جداً على المستقبل البعيد. وللخلاص من مواجهة هذا المأزق التاريخي الذي لن يشمل العرب وحدهم بل سيواجه دولا عديدة في العالم من أبرزها روسيا التي سعى الرئيس الأميركي إلى حوار معها تناول همومها الكبرى ولاسيما تلك المتعلقة بالدرع الصاروخية وبمستقبل امتداد "الناتو"، وسيصل المأزق بقوة إلى أوروبا التي يفضل بعض دولها الحوار مع إيران، وسيصل إلى أعماق آسيا التي تضمر قلقاً من انهيار قوى آسيوية كبرى ومن تغير موازين القوى، وستجد الولايات المتحدة خلفها في جنوب أميركا مواقف مختلفة، مما سيدخل العالم كله في توتر واضطراب ستكون له آثار سيئة جداً على مستقبل العلاقات الدولية. والخوف من توريط إسرائيل للعالم في حرب جديدة نابع من كون إسرائيل لن تطمئن إلى مستقبلها حتى تحقق أهدافها في القضاء على كل من يقاوم أطماعها أو يتمرد على رؤيتها. والسؤال المهم: هل يمكن أن يحسم موضوع الحل النهائي للصراع العربي/ الإسرائيلي ليبدأ الصراع الإيراني/ الإسرائيلي؟ إذا حدث ذلك فإنني أتوقع صعوبة ما سيواجهه القادة الإيرانيون لإقناع شعبهم بدعم القضية الفلسطينية كما يفعلون الآن، وسيكون صعباً أن يظهروا ملكيين أكثر من الملك، وأن ينوبوا عن العرب في الدفاع عن حقوقهم التاريخية؟ والسؤال الذي قد يواجهه العرب هل من مصلحتهم أن يتخلى الإيرانيون عن مواقفهم الداعمة للقضية الفلسطينية، وأن يسارعوا لإقامة علاقات ودية مع إسرائيل، وحسبهم أن يستعيدوا ما كان بين الدولة الفارسية وبين إسرائيل قبل قيام الثورة الإسلامية؟ وبالطبع بوسعنا أن نتوقع ما يمكن أن يواجه العرب من تهميش في منطقة أوسع من إيران تمتد إلى دول مجاورة بدأت علاقات قوية مع إسرائيل على رغم حرصها على علاقاتها مع العرب لكن المبرر كان: ما دام بعض العرب أنفسهم يقيمون علاقات مع إسرائيل فلم نزاود عليهم؟ إنني شخصياً أتمنى أن يصل قادة العالم إلى حلول تجنب البشرية شر الحروب، وأتمنى أن يتمكن العرب من اتخاذ مواقف صلبة تقطع على إسرائيل أحلامها بإعادة سيناريوهاتها السابقة التي اعتمدت الحلول الجزئية حين أوقعت العرب في فخ الحلول الانفرادية فقصمت ظهر القضية، بمعنى ألا يحل الحديث عن المستوطنات بديلا عن الحق في القدس وفي العودة. وقد يقول قائل إن الحصول على حق العودة بات شبه محال وقد صار الحديث يدور حول حل عادل لقضية اللاجئين وليس عن حقهم في العودة، وهناك من ينادون دولياً بالتوطين، وكذلك موضوع القدس فقد صارت يهودية صرفة ولاسيما بعد أن اقتلعت إسرائيل البقية الباقية من سكان القدس وسرقت أراضيهم وحاصرتهم، وإذا تمكن العرب، مسلمين ومسيحيين، من أن ينالوا سماحاً لزيارة الكنيسة أو المسجد الأقصى فسيكون ذلك منة من قادة إسرائيل الذين يشعرون بأنهم غير مجبرين على تقديم أي تنازل للعرب ولاسيما إذا استراحت إسرائيل من هم المقاومة. إنني أجد أن الوسيلة التي تجبر إسرائيل على التوجه الجاد نحو سلام يستعيد فيه العرب أرضهم وحقوقهم هي أن تترك إسرائيل تعيش في "غيتو" مغلق خلف الأسوار التي بنتها وعزلت بها نفسها عن كل المحيط بها، وألا يفرط العرب في أي حق حتى لو بقي مغتصباً عقوداً طويلة، فستبقى الشرعية لصاحب الحق ما لم يتنازل، وعلينا أن نتعلم من الإسرائيليين أنفسهم فقد حفظوا قروناً ما يسمونه وهماً وأسطورة "أرض الميعاد" وانتقموا حتى من نبوخذ نصر في بابل بعد ثلاثة آلاف عام؟ المصدر: الإتحاد الاماراتية
|