|
د . رياض نعسان آغا تحية لنساء غزة، الشامخات على الجراح، الصابرات على البلاء، الصامدات يوم الروع، الممتلئات اعتزازاً بكرامتهن، الصانعات مجد الأمة
كنا نتحدث عن الخنساء التي فقدت أبناءها الأربعة في معركة القادسية ونقدم سيرتها لأبنائنا نموذجاً مثالياً للمرأة العربية التي تقدم فلذات أكبادها في معارك أمتها، ولكننا نجد اليوم آلاف الخنساوات العربيات اللواتي يقدمن ملاحم من البطولات والتضحيات التي تجاوزت كل ما عرفته البشرية في تاريخها الطويل، وما تقدمه المرأة الفلسطينية في غزة اليوم وما قدمته من قبل من تضحيات وصمود أذهل العالم كله، فقد صبرت على الحصار الظالم وعاشت بلا ماء أو طعام أو أمان، تحتضن أسرتها بالصبر والإيمان، وتشد بعنادها الواعي أزر الرجال، وتمضي معهم إلى ساحات القتال، تناضل وتقاتل وتمرض وتستشهد، وتقدم دماء أبنائها ثمناً للحرية والاستقلال، ورفضاً للخنوع والخضوع للاحتلال، ولقد ورثت نساء غزة هذه الشجاعة والبسالة عن أمهاتهن، فمنذ أن وقعت النكبة المريعة عام 1948 نهضت نساء فلسطين بالمهمة الجسيمة، فربين أبناءهن على عقيدة متينة صلبة قوامها حب الوطن والدفاع عن كرامة الأمة وقد نهض الأبناء بالمسؤولية متسلحين بقوة الإيمان، وصدق العزيمة، مدركين أنهم سيتعرضون للقتل والدمار، ولكنهم كانوا واقعيين، فلابد من أن تدفع الشعوب ثمن تحررها، ولم تكتف المرأة الفلسطينية بدورها في الإعداد والتربية والتأهيل، فقد اقتحمت النساء الفلسطينيات ساحات العمل الفدائي بعد نكسة يونيو / حزيران، وبرزت منهن أسماء باقية في الذاكرة مثل ليلى خالد وريما بعلوشة وزهيرة أندراوس، ودلال المغربي وشادية أبو غزالة وخديجة أبو عرن ودعاء الجيوسي ونعمة الحلو وعطاف عليان والقائمة أكبر من أن تحصر، ولقد أسرت عشرات النساء الفلسطينيات وتعرضن للتعذيب في سجون العدو، وحين قامت انتفاضة الأقصى ظهرت أسماء جديدة أثارت دهشة العالم في ما قدمن من ملاحم الصمود، ولا تزال في ذاكرتنا صور الصبايا الفلسطينيات اللواتي لم يحلمن بفارس يحملهن على صهوة حصان أبيض، وإنما حلمن ببراق الفروسية الملائكي يطير بهن إلى الفردوس، فوضعن أرواحهن على أكفهن، وانطلقن إلى الاستشهاد ليزرعن الرعب في قلوب عدوهن، وليثأرن لشعبهن، ونتذكر من اللواتي صنعن أسطورة انتفاضة الأقصى وفاء إدريس ودارين أبو عيشة، وآيات الأخرس، وعندليب طقاطقة، وهبة دراغمة، وهنادي جرادات، ونورا شلهوب وإلهام الدسوقي، وريم الرياشي، وسناء قديح، وزينب أبو سالم، وسواهن كثيرات ممن صرن خالدات في وجدان الأمة، وأجزم أن كثيرات من الصبايا (الغزاويات) ستضاف أسماؤهن إلى قائمة الخلود بعد أن تتوقف إسرائيل عن عدوانها الهمجي على غزة وتظهر قصص التضحيات الأسطورية التي هي سر هذا الصمود الذي بات درساً تتعلم منه شعوب الأرض كيف يكون الدفاع عن الأرض والحق والكرامة، ولقد تابعنا على شاشات الفضائيات صور الأمهات اللواتي يحملن جثامين أبنائهن صابرات محتسبات، وهن يرددن (حسبي الله ونعم الوكيل) لا جزع لا فزع ولا استسلام، ولو جزعت النساء لوهن عزم الرجال، لقد حملت النساء الفلسطينيات إيمانهن عميقاً راسخاً في قلوبهن، وأرضعنه لأبنائهن، فصرن نماذج يقتدى بها، ولولا هذا الإيمان العظيم لخارت قواهن، ولما تمكنّ من الصبر على الحصار والقتل والتشرد والدمار، فتحية لنساء غزة، الشامخات على الجراح، الصابرات على البلاء، الصامدات يوم الروع، الممتلئات اعتزازاً بكرامتهن، الصانعات مجد الأمة، وهن يخضن المعركة مع أبنائهن وأزواجهن وأشقائهن، وحدهن نيابة عن العروبة والإسلام.
|