|
سارح في المكان: صديقي محفوظ عبدالرحمن |
|
الدكتور رياض نعسان آغا كان لقائي الأول بمحفوظ عبدالرحمن عام 1976 في مسرح الحمراء وسط دمشق، وسيبقى هذا المكان أثيراً في ذاكرتي، لأنني تعرفت فيه للمرة الأولى إلى كبار فناني العرب من طبقة الطيب العلج والطيب الصديقي وعبدالكريم بورشيد من المغرب وعزالدين
المدني والمنصف السويسي من تونس، وصقر الرشود وعبدالعزيز السريع وسعاد العبدالله من الكويت، ونعمان عاشور ومحمود دياب وسعد أردش وسعد الدين وهبة وكرم مطاوع من مصر، وسواهم كثير من كل أنحاء الوطن العربي، وكانوا يتألقون في مهرجان دمشق المسرحي الذي كان في منتصف السبعينيات من القرن الماضي عرس إبداع المسرح العربي، وكنت يومها أنغمس رويداً رويداً في أجواء الثقافة والإعلام، وأجد المسرح أقرب الفنون إلي، وقد تحدثت من قبل عن مغامرتي الناجحة في كتابة مسرحية تراجيديا أوليس التي قدمتني إلى مجتمع المثقفين، وكنت أتابع الكتابة النقدية في الصحافة، وأحسب أن بعض مقالاتي لفتت اهتمام رؤساء التحرير، وما زلت أذكر دعوة الكاتبين الكبيرين عادل أبو شنب ومحي الدين صبحي لي، كي أتولى الكتابة النقدية الصحفية في الصحيفة الناشئة يومذاك (جريدة تشرين) وكان مهرجان دمشق المسرحي السادس فرصتي للحضور، وقد حضرت مسرحية الكويت (حفلة على الخازوق) التي جاءت بها فرقة صقر الرشود- رحمه الله- من الكويت، واكتشفت أن كاتبها مصري اسمه محفوظ عبدالرحمن، ولم أكن أتوقع أن يصبح هذا الرجل المبدع من أحب الناس وأقربهم إلي، وأنني اكتشفت فيه صديقاً حميماً وليس مجرد كاتب مبدع، وقد توطدت محبتي لمحفوظ عبدالرحمن حين بدأت اكتشافاتي لموهبته العظيمة تتصاعد يوماً إثر يوم، وأنا أجد الرجل البسيط الهادئ يفاجئ الأمة بأعمال أدبية وفنية ترتقي بسوية الذائقة العربية، وتلبي حاجة الناس إلى دراما تستلهم وجدانهم، وتناقش قضاياهم، وتقدم لهم المتعة الفنية مشحونة بحب الوطن، وبتمجيد الحرية ونشر ثقافة المقاومة، وكنت بعد أربع سنين من تعارفنا الأول قد تسلمت إدارة برامج التليفزيون، وما زلت أذكر فرحي حين وجدت بين المسلسلات الواردة من مصر إلى التليفزيون السوري مسلسلاً بعنوان (سليمان الحلبي) من تأليف محفوظ عبدالرحمن، يومها قلت للعاملين معي (هو ذا ما نحتاج إليه من استرجاع للشخصيات المجيدة في تاريخنا المشترك مع مصر)، لكن المفارقة كانت أخطر في مطلع الثمانينيات حين وردنا مسلسل بعنوان (ليلة سقوط غرناطة) من تأليف صديقي محفوظ، فتزامن عرضه مع ليلة سقوط بيروت يوم اجتياح شارون لها، وقد قلت لمحفوظ، كأنك كنت ترى ما سوف يحدث، وتنذر قومك وتشحذ الهمم، وأحمد الله أن الهمم كانت عالية جداً، فقد نهضت بيروت بعد السقوط وعادت مدعومة من دمشق عاصمة للمقاومة العربية التي أرغمت إسرائيل على الهزيمة، وكنت قد حاورت صديقي محفوظ عدة حوارات تليفزيونية مهمة في برامجي الأدبية والثقافية في التسعينيات، وكان يلبي دعوتي بحب واهتمام الأخ والصديق، وحين ذهبت إلى مصر لمشاهدة فيلم >ناصر 65< وهو من تأليفه، ليلة عرضه الأول، كنت أجلس إلى جوار محفوظ في الصالة، وهو يتابع العرض الأول، وأرصد انطباعاته الهادئة، وشاءت المصادفة أن أسهر تلك الليلة حتى الصباح مع صديقي القديم أحمد زكي الذي لعب دور ناصر، وكنا مدعوين عند صديقنا المنتج الكبير عادل حسني، وكان أحمد (رحمه الله) يحدثني بنشوة النجاح كيف رأى عبدالناصر للمرة الأولى وكيف تسلق عموداً وسط الحشود، وكنت أضحك وأقول يا للمفارقة هاأنت صرت عبدالناصر ذاته اليوم، فأما محفوظ فلم أسمع منه تعليقاً على الفيلم الذي أخرجه صديقنا الفاضل محمد الفاضل، فهو أميل إلى الصمت حول أعماله، ولعله يردد في داخله قول أبي الطيب (أنام ملء جفوني عن شواردها، ويسهر الخلق جراها ويختصم )، وكنت أصر على أن أسمي محفوظ (المؤرخ التليفزيوني) في أحاديثي التليفزيونية عنه، وكنت ولا أزال أجد في أخلاقه العالية وحرصه على القيم السامية ما يحفزني إلى الفخر بصداقته بما يكافئ إعجابي بإبداعه، فثمة مبدعون كثر منحهم الله مهارة الفن، ولكنهم حرموا نعمة الأخلاق الفاضلة، وهؤلاء ينطبق عليهم القول الشهير (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)، فأما محفوظ فإنني أزداد حباً واحتراماً له كلما رأيته وتأملت طيبته وصفاء سريرته، ونقاء نفسه، ولقد قدم محفوظ صفحات مهمة من تاريخنا العربي القديم والمعاصر بلغة فنية هي التي عناها ابن المقفع حين سمى البلاغة (السهل الممتنع)، وقد كتب في المسرح أعمالاً مهمة جداً مثل عريس لبنت السلطان وحفلة على الخازوق، والسندباد والسلطان يلهو وآخر أعماله المسرحية بلقيس، وكان بدأ حياته الأدبية قاصاً وروائياً، ولكن دراسته الأكاديمية للتاريخ وعشقه له بالإضافة إلى موهبته الفذة أهلته لكي يكون المؤرخ التليفزيوني العربي بامتياز، فقد كتب سيرة سليمان الحلبي وعنترة وامرئ القيس، ومحمد الفاتح، والخديوي إسماعيل وصفحات من تاريخ مصر في (بوابة الحلواني) وقدم تاريخ القدس في فيلم، وتاريخ غرناطة في مسلسل، ولعل أهم عمل قدمه محفوظ للتليفزيون هو مسلسل (أم كلثوم) الذي لقي من النجاح ما لم يلق سواه، وبسويته من النجاح كان فيلم ناصر، لقد قدم محفوظ للأجيال الشابة أجمل صفحات تاريخنا القديم والمعاصر، باللغة الدرامية التي يحبونها•
|
|
|
أرسلت في السبت 15 نوفمبر 2008 بواسطة riad |
|
| |
|