|
الدكتور رياض نعسان آغا
تعرفت إلى الباحث الأثري الألماني الشاب الدكتور فلسنر يوم زرت مملكة قطنا، وأعترف أنني لم أكن أعلم عنها أكثر من اسمها، وأنها تقع على مقربة من حمص، لكننا في وزارة الثقافة أعددنا مشروعاً لإقامة مركز للدراسات الأثرية في مدينة المشرفة التي تقع مملكة قطنا
في رحابها، وتم اختيارنا لقصر قديم اسمه قصر ثابت ليكون مقر المركز الدولي، ويعود تاريخ بناء هذا القصر إلى أواخر القرن التاسع عشر، وقد أعدنا تأهيله وتزويده بمستلزمات دراسات الباحثين، وكان الباحثون في مديرية الآثار المشاركون في بعثاتنا الأثرية الداخلية مزهوين وفخورين بأنهم أنجزوا هذا المركز العلمي المتقدم بقدرات وطنية، لكن صحبهم من الباحثين الأجانب الذين يعملون معهم في اكتشاف مملكة قطنا يعبرون عن سعادة بالغة لأن مكتشفاتهم في هذه المدينة المنسية جذبت الأنظار حتى بات الموقع الذي يعملون فيه مركز أبحاث دولياً تشارك فيه جامعات إيطالية وألمانية وهو مفتوح لكل المشاركات الدولية، كان فلسنر الذي أمضى سنوات من شبابه ينقب في قطنا بحثاً عن معلومة يضيفها إلى أمجاد سوريا القديمة يبدو سعيداً بالاهتمام الرسمي الذي وجده بعد شقاء البحث وعنائه، وقد خصصته بالشكر على جهده، ومرت الأيام لأجد فلسنر أمامي مرة أخرى في بون، يقف محاضراً وسط مئات من الحضور الألماني الذين لبوا دعوة جاليتنا السورية إلى يوم ثقافي سوري في مقر سفارتنا القديم في بون وهو مبنى حديث لكنه دمشقي الطابع إسلامي العمارة، وبدأ الفتى الباحث يتحدث عن آثار سوريا بفخر واعتزاز ويشرح لنخبة الحضور ما وجدت البعثات المشتركة الألمانية والإيطالية والسورية في مملكة قطنا، وفي مقبرتها الملكية من اكتشافات توسع المعرفة لتحديد مدى وصول حضارة بلاد الشام من أقصى الشرق إلى دول شمال أوروبا، وأعلن فلسنر سعيه معنا إلى إقامة معرض خاص بهذه المكتشفات في ألمانيا سيستمر على مدى عامي 2009 و2010، وكنت سعيداً بحضور مديرة جامعة توبينغن التي ترعى عمل البعثة الألمانية وسترعى المعرض الأثري كذلك، وبالطبع لابد من أن أشير إلى دور جامعة أوديني الإيطالية، وكذلك إلى دور بعثتنا السورية الوطنية، وتسعى هذه البعثات المشتركة إلى مزيد من اكتشاف الدور الذي لعبته قطنا في الشبكة التجارية في القرون (الثالث والثاني والأول) قبل الميلاد، لكن قطنا تعود في تاريخها إلى أبعد من هذه القرون بكثير، فالآثار المكتشفة ترجع إلى العصرين البرونزيين الوسيط والحديث فهي معاصرة للمملكة الآشورية القديمة وقد أقام ملك قطنا (آشخي حدد) علاقات دبلوماسية وتجارية مع الملك الآشوري (شمشي حدد) في بداية القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وقد اكتشفت وثائق تاريخية طريفة عن هذه العلاقات، وتمتد المدينة الجديدة (المشرفة) التي عادت إليها الحياة مع نهايات القرن التاسع عشر الميلادي على مساحة تزيد على سبعين هكتاراً، لكن البنى التحتية للمدينة القديمة لاتزال واضحة، حيث الأكروبول الحكومي وفيه موقع كبير لصناعة النسيج ومخازن للغلال والبضائع ما يدل على مكانة المملكة في التجارة الدولية حيث شكلت صلة الوصل بين الشرق الأقصى وبين الشمال الأوروبي، ولابد أن مزيداً من الاكتشافات سيقدم معارف جديدة تطلعنا على عمق التواصل الحضاري في التاريخ القديم، فضلاً عن المعارف التي يقدمها اليوم اكتشاف الأسلحة البرونزية في تل المشرفة، واكتشافات كنوز المدفن الملكي التي توضح العقائد والديانات السائدة ولاسيما في القرن الثالث قبل الميلاد حيث كانت قطنا عاصمة مهمة وسط سوريا، ولقد بدأ تدعيم القصر الملكي في قطنا منذ عام 2003 وسيتم توسيع الترميم إلى مبان أخرى، والمشروع ليس أثرياً تاريخياً فحسب، وإنما هو مشروع حيوي يهدف إلى إعادة الحياة والمباني السكنية إلى هذه المنطقة التي حظيت بموقع فريد على طريق القوافل التاريخي•
|