|
سارح في المكان: من ذاكرة رمضان |
|

د. رياض نعسان آغا
قضيت طفولتي في مسقط رأسي إدلب، وهي المدينة الهادئة الغافية قروناً على هضبة قرب حلب، في الشمال السوري، وكانت حتى الستينيات تابعة لمحافظة حلب، حتى إنني شبهتها يوماً بسنبلة إلى جوار نخلة، وكان والدي رحمه الله بالإضافة إلى عمله مدرساً دينياً في إدلب، يعمل في البرامج الدينية في إذاعة حلب ويتلو القرآن بصوته العذب الرخيم، وكانت الإذاعة في الخمسينيات من القرن الماضي سيدة الساحة الفضائية التي خلت لها وحدها، لأن بلادنا لم تعرف التليفزيون حتى أوائل الستينيات حين انطلقت الشارة التليفزيونية في توقيت واحد من دمشق والقاهرة تحمل اسم الجمهورية العربية المتحدة في الثالث والعشرين من يوليو >تموز< 1691 وكانت بغداد وحدها قد سبقت العاصمتين المتحدتين في إطلاق أول شارة تليفزيون عربي، وكانت الإذاعة قبل ذلك مبهرة للناس، وهم يلتفون حول المذياع المثير، يستمعون منه إلى صوت عجيب مدهش يخرج من صندوق العجائب، وكانت التمثيليات الإذاعية الضاحكة تشد الناس إلى متابعتها ولاسيما تلك التي تقدمها"أم كامل، وهو الفنان الشهير أنور البابا يتحدث بصوت امرأة"، وما زلت أذكر أن أحد الساهرين في بيتنا ونحن ملتفون نسمع والدي من إذاعة حلب، أخذته الدهشة ونهض يفتش في الراديو عن مصدر الصوت، وهو يحوقل ويبسمل، ويستعيذ بالله من هذا السحر، ثم يقلب المذياع يميناً وشمالاً ويقول: يا ناس والله هذا صوت الشيخ حكمت أعرفه، وأبو رياض في حلب، فكيف نسمع صوته وبيننا وبينه خمسون كيلومتراً، عشنا وشفنا، وكان المذيع يعلن للناس بعد انتهاء والدي من التلاوة في رمضان "أيها الإخوة الصائمون حان الآن موعد أذان المغرب" فيقدم الوالد دعاء الإفطار، وكنت أحياناً أصر على الجلوس إلى جواره في الاستوديو غير مذعن لأوامر المذيع الذي كان يخشى أن أتكلم ونحن على الهواء، >ولم يكن التسجيل يومها قد اكتشف< لكنني كنت أفهم إشارة والدي بضرورة الصمت، ولم أكن قد تجاوزت الخامسة من العمر، ولعل هذه التجربة المبكرة هي التي جعلتني أشعر بالألفة مع المايكروفون، وغالباً ما يكون المذيع المرافق الإذاعي الشهير توفيق حسن وقد صار زميلاً لي بعد عقود حين بدأت العمل في التليفزيون، وكان علينا والدي وأنا أن نغذي السير في رمضان إلى باب الفرج حيث "الكراجات" التي تنطلق منها السيارات إلى إدلب، ولم يكن سهلاً أن نجد راحلة في وقت الإفطار، فكنا نصل متأخرين لنأخذ فطورنا بعد أن ينتهي الناس من إفطارهم، لكن ذلك كان يحدث مرة في الأسبوع، أما بقية الأيام من الشهر المبارك، فكنت أرافق فيها والدي إلى المسجد العمري في إدلب، حيث يلقي درسه الديني بعد صلاة العصر، ويلقي درساً آخر بعد صلاة الفجر، وكنت أظن المدينة كلها ملتمة في المسجد لما أجد فيه من زحام، فلدى الناس في شهر رمضان دوافع روحية قوية تدفعهم إلى ارتياد المساجد وإلى الانصراف إلى العبادة، وكنت مع ثلة الصحب من رفاق الطفولة نترقب قدوم رمضان بفرح غامر، لأن للمدينة فيه طقوساً لا نجدها في سواه، وأهمها اجتماع الناس على الموائد في وقت واحد، وتبادل الطعام بين الجيران، ولرمضان أطعمة خاصة به، وكان الخبازون يتفننون في صنع الكعك، وبعضه محلى بالسكر ويسمى "المعروك" وكان الباعة يطوفون به في حواري المدينة، وهم يسمونه "صايم" وكنت أتلهف إلى موعد الإفطار كي ألتهم قطعة "الصايم" المحلاة هذه ولم أكن أعرف يومها حاجة الجسم إلى السكر بعد الصيام، فأما الأطعمة الأخرى فهي تزين الموائد بتنوعها ووفرتها، وكنا وما نزال نحفل بالأشربة السهلة الساخنة "الشوربات" لأنها تنزل خفيفة على المعدة بعد صيام، لكن مدينتنا مغرمة بأكل "الكبب" وبالطعام الحار الحاد كأننا بيننا وبين أهل الهند صلة بالأكل الحار، وفي أرياف إدلب إلى اليوم من يتمونون بـ"الفليفلة الحمراء الحارة" بالأطنان، ففي سلقين وحارم وكفر تخاريم تجد أسطحة المنازل ونوافذها حمراء لاهبة، لأن الناس ينشرون الفليفلة كي تجف تحت أشعة الشمس ثم تخزن للعام المقبل، فكان من الطعام الذي يزركش المائدة، ويزيدها حرارة الخبز بالفليفلة "وقد بات اليوم صفائح تهدى للمغرمين بالتقاليد المتجاهلين لأضرار الطعام الحار ولا أقصد الساخن وإنما أقصد الحاد"، وحتى الكبة النيئة تعجن بالفيلفلة الحادة التي يشعر من لم يعتد على أكلها أن حرارتها تخرج من رأسه، وكنا نوشك أن نشبع من هذه المقبلات قبل أن يأتي الطعام الرئيس وهو على الغالب رز وما يواكبه من فاصولياء أو بامياء أو محاش تتفنن النساء في صنعها، وقد اختصت منطقتنا "حلب وما حولها" بأنواع من المحاشي والكبب لايعرفها أهل سوريا بالضرورة، ففي بلدنا كنا نحب قديماً المحشي بالبرغل، وهو محشو مع البرغل بالفليفلة الحادة التي لايطيقها الآخرون، ولدينا المحشي من الباذنجان والقرع والبندورة والكوسا والعجور باللبن، ثم يأتي شيخ المحشي ليكون سيد المائدة، أما الكبب فمنها الكبة اللبنية والكبة الصينية والكبة الحلبية والكبة السماقية والكبة بالدراويش والكبة المشوية والكبة المقلية وسوى ذلك مما يتفنن الناس فيه كثير•
|
|
|
أرسلت في الأثنين 22 سبتمبر 2008 بواسطة riad |
|
| |
|